You are currently viewing شمال وشرقي سوريا.. الرهان على وعي أبنائها/بناتها ينجح دوماً

شمال وشرقي سوريا.. الرهان على وعي أبنائها/بناتها ينجح دوماً

كانيوار حسن

هذه المقالة ضمن مبادرة “دروب السلام”

عند الحديث عن السلام في مناطق شمال وشرقي سوريا، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو حالة السلام التي تعيشها، وقدرتها على تجاوز العديد من المحطات المفصلية الصعبة، دون وصولها إلى مرحلة النزاع المسلح، رغم محاولات إحداث فتنة بين سكان هذه المنطقة، التي تعيش حالة متميزة من العيش المشترك.

وعلى الرغم من أن السلام بين سكان المنطقة، كان سلبياً غالب الأحيان، وفي عديد المحطات، وعلى الرغم من محاولة العديد من القوى الداخلية والخارجية لاستغلال التنوع للوصول إلى صدام بينها، إلا أن المراهنة على وعي أبنائها/بناتها وتمكنهم/ن من تجاوز المحن، لطالما كانت ناجحة.

عاشت منطقة شمال وشرقي سوريا مهمشة طوال عقود، وظلت الحكومات السورية المتعاقبة تتعامل معها على أنها محافظات نامية، وبقيت بعيدة عن الخطط الاستراتيجية السورية، رغم غنى أراضيها بالثروات الطبيعية، بالإضافة للثروة الأساسية المتمثلة بالتنوع العرقي والديني في هذه المناطق، والذي شكّل حالة متميزة من الممكن توظيفها بأفضل صيغة.

شكّل هذا التهميش فرصة للتقارب أكثر فأكثر  بين شعوب المنطقة، فتوطدت العلاقة بينهم، على حساب ضعف التواصل مع مناطق الداخل السوري، وذلك بسبب البعد الجغرافي، وكذلك الدعاية الرسمية التي صورت المنطقة بأنها متخلفة، حتى خال السوريون/ات في الداخل أن سكان المناطق الشرقية إنما يعيشون/ن حياة بدائية، ولم ينتقلوا/ن للتمدن بعد.

كان للتنوع العرقي في مناطق شمال وشرقي سوريا أثراً كبيراً في ماضي وحاضر المنطقة، وساعد هذا التنوع في التغلب على العديد من المحطات المفصلية الصعبة في مسيرة المنطقة، والتي كان من الممكن أن تكون بداية لحروب أهلية كبيرة بين أبناء/بنات المنطقة، وقد ساهمت العديد من الدول في تأجيج الفتن داخل هذه المنطقة، وأيضاً لعبت العديد من الحكومات في سوريا دوراً سلبياً في العلاقة بين أبناء/بنات المنطقة، حيث كانت تنتهج باستمرار سياسة “فرق تسد” والتي أثرت أحياناً في العلاقة بينهم/ن، لكن وعي المواطنين/ات في هذه المنطقة منعهم/ن من الانزلاق إلى أتون الحروب الأهلية المخططة لها بعناية.

يمكن تصنيف قضية إسكان عدد من العوائل من محافظة الرقة في محافظة الحسكة الواقعة على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا جزءاً من تلك السياسات، الأمر الذي ترك انطباعاً سلبياً لدى الكُرد، بوصفه جزءاً من تغيير ديموغرافية المنطقة، حيث يشكل الكُرد نسبة كبيرة من سكان المحافظة.

تمكن سكان هذه المنطقة من تجاوز المفاعيل الكبرى لهذه القضية، ولم تحدث أية نزاعات بين هذه العوائل وبين السكان الأصليين طيلة العقود التي سكنوا فيها، حتى بعد سيطرة الإدارة الذاتية على المنطقة عام 2012 وهي مؤشر على أنه بات من الصعوبة بمكان الوصول لنزاع بين هذه المكونات بسبب هذه القضية.

وكذلك في استغلال قضية مباراة فريقي الجهاد من القامشلي وفريق الفتوة من دير الزور عام 2004 والتي تحولت إلى نزاع تمدد إلى مدن أخرى داخل سوريا، وحاولت الحكومة السورية خلق فتنة في المحافظة، عبر تأليب المواطنين/ات بعضهم/ن على بعض، في سبيل خلق نزاع بين أبناء/بنات المحافظة، لكن الأهالي تمكنوا/ن من تجاوز هذا المخطط، رغم وقوع عشرات الضحايا جراء العنف من جانب السلطة في سوريا.

وكذلك في قضية الاصطفاف الذي حدث إبان الحرب في سوريا، والتي بدأت في آذار العام 2011 حيث برزت عدة دعوات لخلق نزاع بين أهالي المنطقة، وخاصة بعد تعدد القوى التي تسيطر عليها، حيث جمعت المنطقة بين سلطة الحكومة السورية والمعارضة السورية وقوات سوريا الديمقراطية وتنظيم “الدولة الإسلامية”، لكن سكان المنطقة تمكنوا من تجاوز فتنة الحرب الأهلية بينهم، وعلى الرغم من النزاعات التي تحدث بين القوى المتصارعة في المنطقة، إلا أن الصراع لم يتحول إلى حرب أهلية بين سكان المنطقة، بل ظلت مكاناً آمناً للعديد من السوريين/ات من مناطق الداخل التي شهدت صراعات دامية، وبذلك بقيت المنطقة مكاناً للسلام بين مكونات الشعب السوري.

الآن وبعد توضح مناطق النفوذ داخل سوريا، بات التركيز واضحاً على مناطق شمال وشرق سوريا، والتركيز على إحداث تفرقة بين أبناء/بنات المنطقة الواحدة، وخلق فتنة عرقية بينهم/ن، إلا أن الوعي الشعبي لا زال يراهن عليه، فلا استجابة منهم/ن لهذه الدعوات، وعلى الرغم من المعاناة التي يعيشونها/يعشنها في ظل الحرب، وتعدد السلطات في المنطقة، إلا أن هناك فصل بين مطالبهم/ن السياسية والخدمية، وبين الاستجابة للدعوات التي تطلقها عديد القوى لخلق نزاع في المنطقة، ومع ذلك، لا بدّ من مواجهة شاملة لجميع تلك الضغوطات التي فرضتها ظروف الحرب، وهو أمر منوط بالشخصيات المجتمعية البارزة، إضافة إلى منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام العاملة في المنطقة.

مشاركة: