You are currently viewing حرب المياه في سوريا.. كارثة بأربعة وجوه
الصور تابعة الى قصة سلام حول المياه . AFP PHOTO / HAIDAR MOHAMMED ALI

حرب المياه في سوريا.. كارثة بأربعة وجوه

تُنذِر حرب المياه التي تشهدها بعض مناطق شمال شرقيّ سوريا، بأزمة عميقة، قد تترتب عليها نتائج خطيرة، تمسّ كلّ ما يَمُتّ للحياة بِصِلَة، وذلك من خلال تقليل حصّة سوريا، بعكس ما هو متفق عليه من تقسيم مياه نهر الفرات بين كلّ من سوريا وتركيا والعراق، إلى جانب تحكّم الفصائل السورية الموالية لأنقرة بـ “محطة علوك” في ريف مدينة سري كانيه/ رأس العين التابعة لمحافظة الحسكة، والتي تغذّي مدينة الحسكة وريفها بمياه الشرب.

بحسب الاتفاقية الموقعة بين الدول الثلاث في تموز/ يوليو عام 1987، فمن المفترض أن يصل من نهر الفرات إلى سوريا ما يقارب 500 متر مكعّب في الثانية الواحدة، بينما يصل إليها فعلياً ما لا يزيد عن 200 متر مكعّب في الثانية، منذ منتصف شباط/ فبراير الماضي.

ولهذا التخفيض، والتحكّم بمصادر المياه، شأن في انعدام مياه الشرب في الكثير من مناطق شمال شرقيّ سوريا، وانتشار الأمراض بين الأهالي، إضافةً إلى تضرر الثروات الزراعية والحيوانية، والتأثير السلبيّ على قطاع الكهرباء.

مئات الآلاف من الأشخاص في الحسكة يعانون/ين العطش

بعد سيطرة الفصائل السورية الموالية لأنقرة على مدينة سري كانيه/ رأس العين، في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019، عَمَدَت إلى التحكم بضخّ المياه من “محطة علوك” الواقعة في ريف المدينة الشرقيّ، والتي تغذي مدينة الحسكة وريفها بالكامل بمياه الشرب، وباتت توقِف الضخّ بين الحين والآخر، ولفترات زمنية طويلة، تتجاوز بضعة أشهر أحياناً، مما يؤدي لحدوث أزمة شحّ المياه في مدينة الحسكة وريفها، وسط معاناة الأهالي لإيجاد البديل.

يضطر عبد العزيز حسين، أحد قاطني حيّ الصالحية في مدينة الحسكة، منذ بدء أزمة المياه، إلى توفيرها عبر الصهاريج، ورغم عدم صلاحيتها للشرب، إلا أنهم يضطرون لشربها أحياناً، الأمر الذي  يتسبب لهم بأمراض مختلفة، خصوصاً بين الأطفال.

“في ظل انتشار وباء كورونا، لا يمكننا التقيّد بأبسط الإجراءات للوقاية منه، بسبب انقطاع المياه عنا” يَصِف عبد العزيز حال الأهالي وسط أزمة شحّ المياه.

وتتفق مها مع عبد العزيز في مناشدة الجهات المسؤولة، لضرورة تأمين المياه النظيفة، بُغية مواجهة جائحة كورونا، والأمراض الأخرى التي خلّفها انعدام المياه في المدينة.

يستقبل “مستشفى الشعب” في مدينة الحسكة يوميّاً، ما يقارب من 1200 مريض/ة مصاب/ة بأمراض جلدية، من ضمنهم/ن أطفال ومسنّين/ات، إثر انعدام المياه، أو شرب مياه ملوّثة، بحسب عنتر سينو رئيس الأطباء في “مستشفى الشعب” بمدينة الحسكة.

ويضيف سينو أن استهلاك المياه غير الصالحة للشرب، وغير الخاضعة للرقابة والتحاليل المخبرية في الحسكة، يتسبب بحدوث إسهالات والتهابات معوية وغيرها من الأمراض لدى الأهالي، والتي تنوّعت، بحسب سينو، بين الفطريات والأكزيما والجرب والليشمانيا.

وعدا عن التأثير على الصحة، فقد نتج عن أزمة المياه في الحسكة، انعكاسات أخرى مثل صعوبة الحصول على المياه عبر الصهاريج أحياناً، وحدوث مشاجرات عدة بين الأهالي بشكل متكرر.

وكانت الإدارة الذاتيّة التي تشكلت عام 2014، قد أعلنت في آب/ أغسطس عام 2020 عن مشروع الحمة، والذي تضمّن حفر 50 بئراً كإجراء إسعافي، في مواجهة أزمة شح المياه، بينما أفادت مصادر محليّة أن المياه التي تمّ استخراجها من بعض تلك الآبار، غير صالحة للشرب، كما أنه جرى حفرها ضمن أراضٍ تتبع ملكيّتها لسكان المنطقة، الأمر الذي أدّى إلى فشل المشروع وتوقّفه.

A Syrian man fills up water from a water tank (Photo by Delil SOULEIMAN / AFP)

تخفيض حصة سوريا من مياه الفرات يهدد الأمن الغذائي والثروة الحيوانية

أثّر انخفاض حصّة سوريا من مياه الفرات والذي ينبع من تركيا، على القطاع الزراعي في ريفَيّ الرّقة ودير الزور بشكل كبير، مما أدّى إلى تراجع نسبة الزراعة، وتكبّد المزارعين لخسائر كبيرة عند محاولتهم البحث عن حلول لسقاية محاصيلهم الزراعية.

اضطر شعبان النايف وهو مزارع من مدينة الرّقة، إلى دفع ما يقارب من 1400 دولار أميركي، تكلفةً لحفر مجارٍ لإيصال المياه إلى أرضه الزراعية التي تبلغ مساحتها 400 دونم، مزروعة بالبصل والفستق، إلا أنه اضطر إلى استبدال نصف المساحة المزروعة بمحصول الذرة الصفراء الذي لا يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.

وأوضح فوّاز العمر، وهو مزارع من مدينة دير الزور، أنه يملك أرضاً زراعية تبلغ مساحتها حوالي 25 دونم، وقد زرعها في العام الحالي بمحاصيل القمح والخضراوات والذرة الصفراء، إلا أن انخفاض نسبة مياه الفرات تسبّب بانخفاض الإنتاج إلى النصف مقارنة بالعام الفائت نتيجة لتضرر المحاصيل وتلفها، الأمر الذي لم يمكّنه حتى من استعادة نصف تكاليف الزراعة.

وأضاف العمر أنه في مرحلة انخفاض نسبة مياه نهر الفرات، تعرّض المجرور النهري الذي يمتد من النهر لأنابيب سحب المياه للجفاف، الأمر الذي دفع القائمين على “الجمعية الزراعية” إلى حفر هذا المجرور، وقد احتاج الأمر لفترة طويلة من الزمن، متسبّباً بضرر كبير للمحاصيل.

وقال مصدر مسؤول في “لجنة الزراعة” التابعة للإدارة الذاتية في الرقة (رفض الكشف عن اسمه)، إن محافظة الرقة كانت تحصل على 80 متر مكعّب في الثانية من حصة سوريا الكاملة، ولكن “لجنة الزراعة” خفّضتها إلى 70 متر مكعب في الثانية على خلفية الانخفاض الذي شهدته مياه نهر الفرات.

ولفت المسؤول إلى أن انخفاض المياه أجبر المزارعين إلى دفع تكاليف مادية كبيرة لشراء أنابيب ريّ ومحرّكات ومضخّات إضافية لإيصال المياه إلى أراضيهم، وأشار إلى أن “لجنة الزراعة” منحت رخصاً وصلت إلى 30% للمحاصيل الصيفيّة كالقطن، و30% للمحاصيل التكثيفيّة كالذّرة الصفراء والصويا، و70% للمحاصيل الشتويّة كالقمح والشعير.

وعن المحاصيل المروية، قال المصدر إن مساحتها بلغت 107ألف هكتار، وكان المتوقع أن يصل الإنتاج إلى 267 ألف طن في الرقة، إلا أن ما ورد إلى الصوامع لم يتعدّى 45 ألف طن.

أما الثروة الحيوانية، فقد نالت نصيبها من التأثّر بشح المياه، الذي نتج عنه تلوث مياه نهر الفرات الواردة إلى المنطقة، حيث زادت نسبة الأتربة والأعشاب الضارة في المياه، ما تسبب بإصابة عدد من رؤوس الماشية بأمراض معوية وإسهالات، بحسب فيصل العمر أحد مربي المواشي في قرية كسرة بريف دير الزور.

ولفت العمر أن مربّيّ المواشي بحاجة ماسّة إلى إنشاء أحواض إسمنتيّة قريبة من النهر، ليتم ضخّ مياه النهر منها، بعد أن تكون قد تسرّبت الأتربة والمواد الضارة، لتصبح صالحة للشرب من قبل الأبقار والأغنام.

الكهرباء

لم يقتصر تأثير شحّ المياه على القطاعات المذكورة سابقاً وحسب، حيث تعتمد مناطق شمال شرقي سوريا بنسبة 80% على مياه نهر الفرات لتوليد الطاقة الكهربائيّة، بينما تُنتَج النّسبة المتبقيّة من عنفات محطة السويديّة في المثلث الحدودي السوري العراقي التركي، حيث تعتبر السّدود المائية المشيّدة على نهر الفرات، المصدر الوحيد لتوليد الطاقة وتغذية مناطق الرقة والطبقة وكوباني، بحسب آهين سويد الرئيسة المشاركة لهيئة الطاقة في إقليم الجزيرة.

وتوضّح آهين أنهم/ن يستجرون/ن من السّدود الكهرومائية حالياّ، ما يقارب من 20 ميغا واط ساعي، تُغَذَّى بها مختلف المناطق بواقع 12 ساعة يومياً، وهي كمية وصفتها بـ”المعدومة”، إذ إنها لا تغذي مدينة الحسكة بأكثر من ساعتين يومياً، في حين كانوا/كن يستجرون/ن سابقاً 110 ميغا واط ساعي، حيث كانت غزارة المياه جيدة.

وتشير آهين إلى أن شمال شرقي سوريا، منطقة غنيّة بحقول الغاز، ويمكن إنشاء عنفات غازيّة، كحلّ بديل لما يعانيه قطاع الكهرباء من تضرر إثر شح مياه نهر الفرات، وتلفت إلى أنها مشاريع جاهزة، لكنها تحتاج إلى تمويل وتوريد القطع، وذلك ما لا يمكن القيام به حالياً، بسبب العقوبات المفروضة على سوريا، نتيجة تطبيق قانون قيصر.

الهجرة:

وضعت أزمة المياه أهالي بعض مناطق شمال شرقي سوريا أمام خيار الهجرة الذي اعتبرته سلام حسين (اسم مستعار) أحلى الأمرّين، حيث بات هذا الخيار هو الحل الأفضل بالنسبة لها، بغية التخلّص من تبعات هذه الأزمة، في ظل انعدام احتمالات إنهائها.

“أسعى إلى استكمال ثبوتياتي الشخصية وثبوتيات أطفالي، بأسرع وقت ممكن، حتى نتمكن من السفر، ونتخلص من كابوس خزانات المياه الفارغة، وامتعاض أصحاب الصهاريج عند كثرة الاتصال بهم” تقول سلام حسين أحد أهالي مدينة الحسكة.

أمّا حنان العلي، فتعيش معاناة مضاعفة مع تفكيرها بالهجرة، وعاشت تجربة النزوح سابقاً، حين اضطرت لمغادرة منزلها مع أفراد عائتلها في دير الزور، بسبب أزمة المياه، والاستقرار في مدينة الرقة، للاستمرار بمهنة الزراعة التي تعتبر مصدر رزقهم الوحيد، والأكثر تضرراً من أزمة المياه.

تؤكّد حنان أنها لم تكن لتفكّر بالهجرة لولا تفاقم أزمة المياه، لكن عدم إيجاد الحلول، وزيادة المعاناة يوماً بعد يوم، إلى جانب المخاوف التي تهدد مصدر رزقهم في العمل بالزراعة، قد دفعها لاتخاذ قرار الانتقال للاستقرار في بلد آخر.

مهما يكن، فإن مناطق شمال شرقي سوريا تعيش اليوم في كارثة حقيقية ذات ثلاثة أوجه، ويشكل شحّ الماء رأس حربته، وحبس تركيا لمياه نهر الفرات بين الفينة والأخرى، ومنع وصول الكمية المتفق عليها لسوريا ينذر بتفاقم هذه الكوارث، والهجرة المتزايدة من المنطقة وخاصة باتجاه الدول الأوروبية هي إحدى تجليات هذه الحالة، ما يعيد إلى الأذهان أزمة اللاجئين على حدود اليونان، إضافة إلى الخشية من أن تكون هذه الإجراءات سبيلاً لتفريغ المنطقة من سكانها تمهيداً لاجتياحها في وقت لاحق.

انقر على الرابط أدناه لمشاهدة مقطع فيديو لفريق Nextep حول أزمة المياه في شمال شرق سوريا

https://www.youtube.com/watch?v=Vjfs0DqCJSg

مشاركة: