You are currently viewing النازحين/ات والمجتمع المضيف: فرصة للتكامل

النازحين/ات والمجتمع المضيف: فرصة للتكامل

سولنار محمد

هذه المقالة ضمن مبادرة “دروب السلام”

لم يمضِ سوى سبعة أشهر على نزوح جودي زينكي من مدينة عفرين، حتى افتتح مشروعه الخاص، في محطة استقراره الأخيرة بمدينة ديريك، أقصى شمال شرق سوريا، والتي يعيش فيها منذ عام 2018، حيث تمكّن الشاب العشريني من معرفة أحد احتياجات سوق المدينة، وعلى إثرها، قرر افتتاح مطعم للوجبات السريعة، قام بتطويره لاحقاً، وإضافة بعض المأكولات الجديدة.

ويُعتبر جودي واحداً من عشرات النازحين/ات، ممن تمكنوا/ن من الاندماج بالبيئة الجديدة، بعد النزوح إثر الحرب السورية، التي أجبرت الأهالي على الفرار من مناطقهم/ن إلى مناطق أكثر أماناً، حيث كانت مدينة ديريك/المالكية إحدى الوجهات الآمنة التي احتضنت حتى الآن ما يقارب من 2500 عائلة نازحة من مدن سورية مختلفة، وقد تمكنت تلك العائلات من التأقلم والاندماج مع المجتمع المُضيف, عبر بناء علاقات اجتماعية، وافتتاح مشاريع اقتصادية مختلفة.

تحدٍ لا بُدَّ منه:

افتتاح المشاريع الاقتصادية من قبل النازحين/ات، يفرض عليهم/ن بعض التحديات، حيث واجه جودي زينكي صعوبة في بداية عمله، من ناحية الوصول إلى أهالي المدينة، وكسب الصيت والزبائن، إلا أنه تمكّن من التغلّب على تلك الصعوبات، وكانت من أولوياته، عدم إلحاق الضرر بالمنافسين/ات له في المهنة ذاتها، حسب قوله. 

ويعمل/تعمل داخل المطعم نفسه، أبناء وبنات ديريك/المالكية، إلى جانب نازحين/ات من مدن أخرى، وزاد الإقبال عليه من أهالي المدينة بشكل مقبول، حيث عملت عائلة جودي في مهنة إدارة المطاعم منذ عشرات السنوات في مدينة عفرين “حتى إن تمكنتُ من العودة لعفرين يوماً، سأُبقي على مطعمي في مدينة ديريك/المالكية، وسوف أشرف على عملي في المدينتين معاً” يقول جودي.

فيما يخص افتتاح مشاريع اقتصادية، تقول سيدة حنا ابراهيم النائبة المشاركة لمجلس ناحية ديريك/المالكية، إنه لا يوجد أي قانون يمنع النازحين/ات من افتتاح مشاريع اقتصادية، سوى بعض الإجراءات الروتينية التي يتشاركون/يتشاركن فيها مع أبناء/بنات المدينة، مثل الحصول على ترخيص الأرض التي سيجري عليها بناء المنشأة وما إلى ذلك، مشيرةً إلى أنه من النازحين/ات مَن قام/ت بافتتاح أكثر من ثلاثة مشاريع اقتصادية في مدينة ديريك/المالكية، منها معامل لصناعة أكياس النايلون، وخراطيم المياه والكابلات الكهربائية وغيرها.

اندماج من بوابة العلاقات الاجتماعية: 

بدأت نارين محمد (46 عاماً) بالاندماج مع العادات والتقاليد المجتمعية في مدينة ديريك/المالكية، والتي لم تختلف كثيراً عن عادات مدينتها الأصلية عفرين، حيث نزحت منذ ثلاث سنوات، هرباً من هجوم فصائل المعارضة السورية الموالية لأنقرة على المدينة في عام 2018.

“الكثيرون/ات من أهالي مدينة عفرين، باتوا/بتن يقيمون/يقمن حفلات الزفاف بحسب العادات الخاصة بأهالي مدينة ديريك/المالكية، حتى فيما يخص المأكولات التقليدية والتي تختلف كثيراً عن تلك الخاصة بمدينة عفرين، أصبحت عنصراً دائم التواجد في خزائن مونة النازحين/ات من أهالي عفرين” تقول نارين. 

وتشير نارين إلى أن العلاقات الاجتماعية بين النازحين/ات في مدينة ديريك/المالكية، تشهد انسجاماً كبيراً، ونشأت علاقات صداقة قوية بينهم/ن، حيث يتشاركون/ن في المناسبات السعيدة والأليمة، وعلى الرغم من ذلك، تأمل نارين أن تتمكن من العودة لمدينتها يوماً، والتي تربطها بها ذكريات لا تُنسى.

فيما تصف عالية مصطفى، إحدى أهالي مدينة ديريك، حيّها الذي تقطنه، بنموذج مصغّر عن بقية أحياء المدينة، والذي احتضن عوائل نازحة من مدن عفرين وكوباني/عين العرب وسري كانيه/رأس العين، ورغم انتقال تلك العوائل إلى أحياء أخرى، إلا أن الزيارات بين عالية وتلك العوائل مستمرة حتى الآن.

ويعيش في المدينة بعض العوائل التي نزحت من مدن سورية أخرى، كمدينة حلب التي نزح منها أبو علي (65 عام) منذ أكثر من عشر سنوات، على إثر القصف الذي تعرضت له المدينة حينها، وتوجه إلى مدينة ديريك/المالكية بحثاً عن الأمان لعائلته، وبعد انقضاء هذه المدة الطويلة من استقرار عائلة أبو علي في المدينة، بدأ أولاده بالتحدث باللغة الكُردية، كما أنه تمكن من فهم هذه اللغة إلّا أنّه لم يتقن الحديث بها بعد. 

“أعمل في مهنة تصليح البوابير (السنكري)، واجهتني بدايةً بعض الصعوبات في تأمين مسكن لي ولعائلتي، لكن الآن، أشعر أنني بين أهلي، ونعيش  معاً تحديات الواقع المعيشي الصعب” يقول أبو علي. 

وعاشت نور في منطقة خان الجبل التابعة لبلدة كركي لكي/ معبدة، لأكثر من خمس سنوات، وانتقلت إلى مدينة ديريك/المالكية منذ ما يقارب من ثلاثة أشهر، وتنحدر نور من مدينة دير الزور التي شهدت حرباً تسبب بدمارٍ كبير للمدينة، أجبرت ساكنيها/ساكناتها على البحث عن أماكن أكثر أماناً. 

وعلى الرغم من أن الأزمة الاقتصادية أثرت بشكل كبير على الوضع المعيشي لنور وزوجها وأطفال زوجها، إلا أنها تمكنت من الاندماج مع أهالي مدينة ديريك، والتي تتبادل معهم/ن المحبة والاحترام، على حد قولها. 

أما هوكر خليل، أحد أهالي مدينة ديريك/المالكية، فقد تزوج من فتاة نازحة من مدينة سري كانيه/رأس العين، بعد أن استقرت مع عائلتها في مدينته، “زوجتي لم تكن تتوقع يوماً أن تتزوج من خارج مدينتها” يقول هوكر.

كثيرة هي النماذج التي تؤكد على قدرة المختلفين/ات سواء كانوا/كن نازحين/ات أو مختلفين/ات بالانتماءات الدينية والعرقية والإثنية وغيرها، على الاندماج والتعايش، وكانت مدينة ديريك/المالكية نموذجاً مصغراً لباقي مناطق شمال شرق سوريا، والتي عُرفت دوماً، باختلاف مكوناتها، وتجاور مختلف دور العبادة فيها، وأخيراً احتضانها للنازحين/ات من مختلف المدن السورية، بعد الحرب التي امتدت لعقد من الزمن، إلا أن هذا الاختلاف تحوّل لميّزة، رغم محاولات الكثير من الجهات، استغلاله لإشعال فتيل حرب أهلية.

مشاركة: