You are currently viewing المياه في شمال وشرق سوريا.. الحرب بوسائل أخرى

المياه في شمال وشرق سوريا.. الحرب بوسائل أخرى

زوزان حسن

أُنتج هذا العمل بدعمٍ مالي من الاتحاد الأوروبي، أمّا المواد الواردة فيه، فهي لا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي، كما أنّها مسؤولية زوزان حسن وحدها، والتي أعدّت المادة لصالح الشراكة بين منظمة نيكستيب وراديو ولات إف إم.

Also available in English
Bi Kurdî jî peyda dibe

على مدار أكثر من عشر سنوات من الصراع المدمِّر في سوريا، عايش/ت السوريون/ات شتّى أنواع المعاناة، أما في منطقة شمال وشرق سوريا فأبناءها/بناتها، واجهوا/ن معاناة إضافية مختلفة، مذ تحوّلت المياه إلى سلاح حرب، أُشهِرَ في وجوههم/ن خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت الأزمة بانخفاض منسوب مياه نهر الفرات الوارد من قبل تُركيا، بالإضافة إلى التغيّر المناخي الذي بات يشكّل خطراً حقيقياً يواجه المنطقة عامةً، ومنها شمال شرق سوريا، وانتهت بتحكّم الفصائل السورية الموالية لتركيا، بمحطة علوك الواقعة في مدينة سري كانيه/رأس العين، التي تغذّي مدينة الحسكة وريفها بمياه الشرب، كل ذلك زاد من الصراعات السياسية والعسكرية بين أطراف الحرب السورية، وتضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية ذات الصلة، والتي باتت تتحكم بمفاصل حياة السوريين/ات، دون حلول تلوح في الأفق حتى الآن.

من الجزيرة السورية، التي سميت سابقاً “سلة غذاء سوريا” وذلك لوفرة مياهها، تتحدّث ليلى إسكان، من حي الطلائع بمدينة الحسكة، عن خوفها من المستقبل، بقولها “لم نتخيّل يوماً أننا سنصل لهذه المرحلة من المعاناة، حقيقةً عندما أتابع الأخبار السياسية والاقتصادية ينتابني خوفٌ شديد من الآتي، أتخيّل أنه سيأتينا يومٌ سنضطر فيه إلى أن نقتصد في شرب المياه، دون أن نكون قادرين/ات على شربه متى ما شعرنا بالعطش؛ هذا إن توفرت المياه الصالحة للشرب!”.

وتضيف ليلى “كلّ ما يُحكى حالياً هو مجرد مؤشرات لكارثة إنسانية متوقعة، لا أعلم ما هي الحلول لها، وما الواجب علينا فعله لتجنبها، جُلُّ ما أتمناه أن يكون هناك تعاون بين السكان والسلطات القائمة، فعلى ما يبدو لا أحد يكترث بنا وبمعاناتنا اليومية”.

منذ العام الماضي بدأ منسوب المياه الوارد إلى سدّ الفرات بالانخفاض إلى درجاتٍ غير مسبوقة، وظهرت آثار شحّ المياه في نواحٍ عدة، منها تقليل عدد ساعات الكهرباء، وتراجع إنتاج المحاصيل الزراعية، وتأثر الثروة الحيوانية بشكل كبير، إلى جانب تضرر الصحة العامة، نتيجة تأسّن المياه الناتج عن انخفاض منسوبه، حيث يعتبر سد الفرات استراتيجياً لسوريا بشكل عام، وشمال وشرق سوريا بشكل خاص، وتوجد فيه محطة توليد كهرباء كبيرة مؤلفة من (9) عنفات، كانت تُغذي سابقاً الشبكة العامة لكامل البلاد، أما في الوقت الحالي، فهي تغذّي مناطق شمال وشرق سوريا، حيث توجد فيه بحيرة تخزينية يزرع عليها الآلاف من الهكتارات على ضفتيّ النهر.

بحسب مكتب الطاقة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، فقد انخفض منسوب نهر الفرات بمعدل خمسة أمتار، وذلك للمرة الأولى في تاريخه، ومردّ ذلك، بحسب “المكتب”، هو حجز تركيا لمياه النهر، حيث باتت غزارته لا تتجاوز الآن (200) متر مكعب في الثانية، وهو ما اعتبرته الإدارة الذاتية انتهاكاً للاتفاقية الموقعة بين سوريا وتركيا عام 1987، حيث نصّت الاتفاقية على وجوب التزام تركيا بإطلاق (500) متر مكعب في الثانية على الأقل، لتتقاسمها كلّ من سوريا (دولة العبور) بنسبة (42%)، والعراق (دولة المصبّ) بنسبة (58%)، من الكمية المتفق عليها.

وأدى تراجع منسوب المياه في نهر الفرات إلى خروج مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية عن الخدمة، الأمر الذي شكّل تهديداً لسبل معيشة نسبة كبيرة من أبناء/بنات شمال شرق سوريا ممّن يعتمدون/يعتمدن بشكل أساسي على الزراعة.

 سد الفراتسد تشرين
  التخزين الأعظمي304 م عن سطح البحر يقابله حجم تخزين 14.164 مليار م٣325 م عن سطح البحر يقابله حجم تخزين 1.883مليار م٣
  التخزين الحالي302.33 م عن سطح البحر يقابله حجم تخزين 13.072 مليار م٣321.76 م عن سطح البحر يقابله تخزين بحدود 1.392 مليار م٣
  النقص 1.67 م عن المنسوب الأعظمي ونقص الحجم بحدود 1.1 مليار م٣3.24 م عن المنسوب الأعظمي ونقص 460 مليون م٣

الخلافات التركية مع الإدارة الذاتية ودورها في أزمة المياه 

إن هدف تركيا الرئيسي، هو زعزعة الاستقرار في شمال شرق سوريا، حيث تؤثر أزمة المياه على الأهالي من الناحية الاقتصادية، بشكل كبير، بحسب “عبد الكريم عمر” الرئيس المشترك لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا،  في تصريحه لـ ولات إف إم، ويشير “عمر” إلى أن هذه الزعزعة تعتبر تسهيلاً لتنظيم “داعش” فيما يخص إعادة تنظيم نفسه، والدخول لهذه المجتمعات، مستغلاً الحالة الاقتصادية المتردّية للأهالي.

ويؤكد “عمر” أنّ قيام تركيا بخفض منسوب المياه، واستهدافها لمحطة علوك، يؤدي إلى نقص الخدمات في جميع نواحي الحياة بالمنطقة، الأمر الذي من شأنه أن يولّد لدى الأهالي ردّات فعل عكسية تجاه الإدارة الذاتية، وذلك أيضاً يحقق هدف تركيا في زعزعة استقرار المنطقة، مشيراً إلى أن سد الفرات، بات ورقة ضغط وابتزاز للمجتمع الدولي، من بين أوراق كثيرة، تستخدمها تركيا لتحقيق طموحاتها التوسعية وأهدافها الاقتصادية في سوريا.

وعلى الرغم من خرق تركيا للاتفاقية سابقة الذكر، وتأثير هذا الخرق على اقتصاد سوريا ككل، إلا أن الحكومة السورية لم تبدِ أي ردة فعل، سوى بعض البيانات الـ”الضعيفة والخجول” على حد قول “عمر”، مشيراً إلى أن الحكومة السورية لم تقم بأية خطوات فعلية لمنع استمرار هذا الانتهاك، مؤكّداً من ناحية أخرى، أن أزمة المياه على رأس نقاشات مسؤولين/ات الإدارة الذاتية مع الوفود الأجنبية التي تقوم بزيارة المنطقة، بقوله “قمنا بإرسال رسائل عدّة إلى المجتمع الدولي، والصليب الأحمر، واليونيسيف، وعلى الرغم من الإجماع على ضرورة تحييد المياه عن الصراعات السياسية، إلا أن تركيا لا زالت مستمرة في استغلال موقعها الجيوسياسي، وعضويتها في حلف الناتو، لتحقيق طموحاتها السياسية”.

 وبحسب الرئيس المشترك لمكتب الطاقة في الإدارة الذاتية، ولات درويش، فإنّ “منسوب التخزين الأعظمي لبحيرة سد الفرات الواقعة في مدينة الطبقة غربي محافظة الرقة هو (304) م عن سطح البحر، واليوم المنسوب هو (302.33) م، بمقارنة الأرقام نلاحظ انخفاضاً في المنسوب يقدر بـ 1.67 م شاقولياً”.

ويضيف”درويش” لـ«ولات إف إم» أنه “في بحيرة سد تشرين يبلغ مستوى التخزين الأعظمي (325 م) عن سطح البحر، لكنه اليوم انخفض إلى نسبة (321.76 م)، وهذا يعني انخفاض البحيرة (3.24 م) أمتار شاقولية”.

 ومن خلال الاتصال عبر تطبيق الـ”واتس آب” يتحدث، حمود الحمادين، الإداري في سد تشرين عن دور المنظمات الدولية والإنسانية في المنطقة، والذي لم يرقَ إلى حجم الكارثة، بحسب وصفه، وأضاف “لقد اقتصر دورهم على التقاط الصور، إما شخصياً أو عن طريق طائرات الـ”درون” التي  تظهر الانحسار  التاريخي غير المسبوق، والذي يُنذِر بالقضاء على الأمن المائي والغذائي، ويهدد حياة ملايين الناس، ناهيك عن قلة التغذية بالتيار الكهربائي، والتي وصلت لساعتين يومياً، على الأكثر، في أغلب المناطق”.

كيف يؤثر تغير المناخ على تفاقم أزمة المياه؟

في ظل التغيّرات المناخية التي تعصف بالمنطقة، فإن مناطق شمال وشرق سوريا ستواجه ظروفاً كارثية تترافق مع الصراع الدائر نتيجة الحرب في سوريا، هذا ما يؤكّده “هاري استبيانيان” الخبير في مجال الطاقة والمياه في الولايات المتحدّة الأمريكية، خلال تصريح خاص لـ ولات إف إم، ويقول إن المنطقة هي من بين أكثر المناطق عرضة للتأثيرات المحتملة لتغيّر المناخ في العالم، حيث من المتوقع أن تكون الزيادة في متوسط ​​درجات الحرارة مرتفعة نسبياً، وهذا يعني هطول الأمطار بشكل أقل، الأمر الذي سيؤثر بشكل سيء على الحياة الزراعية وإمدادات المياه في جميع أنحاء الأراضي الزراعية، كما انخفض معدل هطول الأمطار في سوريا والعراق من (%15) إلى (25%) ، ومن المتوقع أن ينخفض ​​تصريف نهرَيّ دجلة والفرات ما بين (29-73%). 

كما أوضح “استبيانيان” أن الانخفاض القياسي في مياه الأنهار وهطول الأمطار هذا العام، سيؤدي إلى حرمان بعض المناطق في كل من سوريا والعراق من مياه الشرب، إلى جانب حاجة الأراضي الزراعية من المياه،  مع احتمال كبير أن يؤثر الجفاف على أكثر من (12) مليون شخص في سوريا والعراق، بسبب فقدان الوصول إلى المياه النظيفة ونقص الغذاء في بعض مناطق سوريا، ومن المتوقع أن يؤدي انخفاض منسوب المياه هذا الصيف، إلى تعطيل الطاقة الكهرومائية، مما سيؤثر على الخدمات الأساسية.

بدوره فإن الجانب التركيّ يؤكد باستمرار، على لسان مسؤوليه، أنّ التغير المناخي، والنقص الحادّ في هطول الأمطار، نتج عنه جفاف شديد ضرب الأراضي التركية قبل السورية، نافيًا أيّ أبعاد سياسية لأزمة المياه مع سوريا، وفيما يخصّ قضية مياه علوك، فتنفي تركيا هذه الاتهامات، وتقول إنّ محطة علوك تعمل بالطاقة الكهربائية القادمة من سدّ تشرين الواقع تحت سيطرة الإدارة الذاتية, التي، بحسب تركيا، تقوم بقطع التيار بشكل متكرر ومقصود منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019.

وفي الجانب الآخر تستمر كل من الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، والحكومة السورية، بتوجيه الاتهامات إلى تركيا، باستغلال المياه كسلاح حرب في وجه السوريين/ات، وسط صراعاتها مع أطراف النزاع السوري، حيث تحوّل استغلال تركيا لأزمة المياه، إلى مشروع كارثة إنسانية، في ظل التغيّرات المناخية التي زادت الطين بلّة، حيث عادةً ما تتأثر بها بلدان النزاع، أكثر من غيرها، ويؤكد الجانبان أن تركيا قللت من حصة المياه منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث قامت تركيا حينها ببناء (7) سدود على مجرى الفرات في الجانب التركي، ومنها سد (أتاتورك) الذي تم تدشينه في تموز/يوليو عام 1992، ويقع السدّ على نهر الفرات على بعد (24) كم من مدينة بوزرفا، ويجمع في بحيرته (50) مليار متر مكعب من المياه، ويسهم في توليد (2400) ميغا واط من الكهرباء.

وتفند الإدارة الذاتية كذلك اتهامات الجانب التركي وفصائل المعارضة السورية الموالية له بخصوص قضية مياه علوك، وتقول إن القوات التركية تطلب زيادة التغذية بالكهرباء إلى مناطق سيطرتها، ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، هذه الرواية بالقول إن القوات التركية طلبت من الإدارة الذاتية في آب/أغسطس عام 2020 زيادة التغذية بالكهرباء إلى منطقة سيطرتها، الأمر الذي قوبل بالرفض. فكان الرد بقطع المياه بشكل كامل عن الحسكة. على الرغم من التغيير المناخي الذي لا يمكن إنكاره، وكذلك الصراعات بين القوى المتصارعة في الحرب السورية، إلا أن قضية المياه يمكن وصفها أنها أكثر سلاح يهدد مستقبل البلاد، وبات حق الحصول على المياه محالاً لآلاف السوريين، رغم أن هذا الحق منصوص عليه في معاهدات حقوق الإنسان، وأياً كانت أسباب أزمة المياه، فإن غياب الحلول الجدية، إلى جانب عدم تحقيق التوافق والتقارب بين أطراف الصراع السوري، في ظل التغيرات المناخية التي تهدد العالم أجمع، فإن مناطق شمال شرق سوريا، على شفا كارثة إنسانية، تستوجب إيجاد حلول سريعة وملائمة ومستدامة، كي لا يحصل ما لا يحمد عقباه.

مشاركة: